فخر الدين الرازي

61

تفسير الرازي

أنه قال : سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي ، وقال الشاعر . سميت إنساناً لأنك ناسي . وقال أبو الفتح البستي : يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس * وأكثر الناس إفضالاً على الناس نسيت عهدك والنسيان مغتفر * فاغفر فأول ناس أول الناس وثانيها : سمي إنساناً لاستئناسه بمثله . وثالثها : قالوا : الإنسان إنما سمي إنساناً لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله : * ( آنس من جانب الطور ناراً ) * ( القصص : 29 ) كما سمي الجن لاجتنانهم . واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من شيء آخر وإلا لزم التسلسل ، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقاً من شيء آخر . المسألة الخامسة : قال ابن عباس : أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب ، منهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ، وجد ابن قيس ، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض . المسألة السادسة : لفظة " من " لفظة صالحة للتثنية ، والجمع ، والواحد . أما في الواحد فقوله تعالى : * ( ومنهم من يستمع إليك ) * ( الأنعام : 25 ) وفي الجمع كقوله : * ( ومنهم من يستمعون إليك ) * ( يونس : 42 ) والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى ، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ . وعند الجمع يرجع إلى المعنى ، وحصل الأمران في هذه الآية ؛ لأن قوله تعالى : * ( يقول ) * لفظ الواحد و * ( آمنا ) * لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة . السؤال الأول : المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في ادعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر ؟ والجواب : إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال ، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب - وهم اليهود - فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان ، لأنهم يعتقدونه جسماً ، وقالوا عزيز بن الله ، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان ، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل ، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم ، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه . السؤال الثاني : كيف طابق قوله : * ( وما هم بمؤمنين ) * قولهم : * ( آمنا بالله ) * والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل ؟ والجواب : أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية ، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته ، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تكذيبه ، يعني أنه ليس من هذا الجنس ، فكيف يظن به ذلك ؟ فكذا ههنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيباً لهم أما لما قال : * ( وما هم بمؤمنين ) * كان ذلك مبالغة في تكذيبهم ، ونظيره قوله : * ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ) * هو أبلغ من قولهم : وما يخرجون منها . السؤال الثالث : ما المراد باليوم الآخر ؟ الجواب : يجوز أن يراد به